يكشف جون ريس، الباحث الزائر في جامعة جولدسميث بلندن وأحد مؤسسي ائتلاف "أوقفوا الحرب"، في قراءة لتداعيات خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مرور عشر سنوات، عن حجم الانقسام السياسي والاجتماعي الذي رافق الاستفتاء التاريخي، ويرى أن بريكست لم يعالج جذور الأزمات البريطانية بقدر ما أخفاها خلف صراع سياسي محتدم.



ونشر موقع ميدل إيست آي تحليلاً يوضح أن الجدل حول بريكست لم يكن مجرد خلاف بشأن عضوية الاتحاد الأوروبي، بل عكس انقسامات عميقة داخل النخب السياسية والاقتصادية البريطانية. فقد أيدت قطاعات واسعة من الشركات الكبرى البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، بينما عانى حزب المحافظين انقسامات حادة دفعت رئيس الوزراء آنذاك ديفيد كاميرون إلى طرح الاستفتاء أملاً في احتواء الخلافات الداخلية.



انقسامات سياسية غير مسبوقة



أحدثت قضية بريكست شرخاً داخل مختلف التيارات السياسية البريطانية. فبينما جذب حزب استقلال المملكة المتحدة، بقيادة نايجل فاراج، شريحة من الناخبين عبر خطاب قومي معادٍ للهجرة، دعمت قيادات حزب العمال ومعظم النقابات العمالية البقاء في الاتحاد الأوروبي، رغم معارضة جزء من قواعدها الشعبية لهذا التوجه.


كما برز تيار يساري محدود عُرف باسم "ليكزيت" دعا إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي لأسباب ديمقراطية واقتصادية، معتبراً أن الانفصال يمنح بريطانيا مساحة أوسع لإدارة اقتصادها بعيداً عن القيود الأوروبية. لكن حدة الاستقطاب بين معسكري البقاء والخروج همّشت هذه الرؤية، وحولت النقاش إلى مواجهة ثنائية حادة.


وأسفر الاستفتاء الذي شارك فيه أكثر من 33 مليون ناخب عن فوز معسكر الخروج بفارق تجاوز 1.2 مليون صوت، وهو ما فتح الباب أمام مرحلة طويلة من الجدل السياسي والانقسام المجتمعي.


الاقتصاد بين الوعود والواقع


يرى الكاتب أن نجاح الخروج كان يحتاج إلى استراتيجية اقتصادية طويلة المدى تعتمد على الاستثمار الحكومي وتوفير وظائف مستقرة وتحسين الخدمات العامة. غير أن الحكومات المحافظة تبنت مساراً مختلفاً استند إلى الإيمان بقدرة السوق الحرة على تحقيق النمو وتعويض العلاقات التجارية الأوروبية باتفاقيات جديدة.


ويؤكد أن هذه الرؤية لم تحقق النتائج الموعودة، إذ واجه الاقتصاد البريطاني تباطؤاً وتراجعاً في الأداء. ومع ذلك، يلفت إلى أن الاتحاد الأوروبي نفسه لم يقدم نموذجاً ناجحاً يمكن الاستشهاد به، خاصة مع تعرض ألمانيا، أكبر اقتصاد أوروبي، لأزمات اقتصادية متلاحقة خلال السنوات الأخيرة.


ويضيف أن صورة الاتحاد الأوروبي باعتباره نموذجاً لليبرالية والانفتاح تعرضت للاهتزاز، مع صعود النزعات القومية وتوسع سياسات التسلح وتشديد الرقابة على الحدود في عدد من الدول الأوروبية. لذلك، لم تنجح لا بريطانيا ولا الاتحاد الأوروبي في تحقيق ازدهار اقتصادي مستدام خلال العقد الماضي.


صعود اليمين وتراجع الثقة
 

يشير التحليل إلى أن النتيجة الأبرز لبريكست تمثلت في زيادة الاستقطاب السياسي وصعود اليمين الشعبي. فقد ساعدت أجواء الانقسام التي صاحبت الاستفتاء على تعزيز نفوذ نايجل فاراج وحزبه الجديد "ريفورم يو كيه"، ومنحته قاعدة جماهيرية أوسع من السابق.


ورغم أن استطلاعات الرأي الحديثة تظهر ميلاً متزايداً لدى البريطانيين نحو إعادة الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فإن الكاتب يستبعد إمكانية إجراء استفتاء جديد بسهولة، محذراً من أن أي نقاش جديد حول هذه القضية سيعيد إنتاج أجواء التوتر والاستقطاب التي شهدتها البلاد قبل عشر سنوات.


ويرى أن القوى السياسية الرئيسية لم تغيّر مواقفها بصورة جوهرية، بينما أصبح اليمين المتطرف أكثر حضوراً وقدرة على التأثير في الشارع السياسي البريطاني مقارنة بما كان عليه أثناء استفتاء 2016.


ويخلص الكاتب إلى أن أزمة بريطانيا أعمق من قضية بريكست نفسها. فالتراجع الاقتصادي، وتآكل الثقة بالمؤسسات السياسية، وتصاعد الغضب الشعبي ترتبط في جوهرها بإرث السياسات النيوليبرالية التي أضعفت الخدمات العامة ووسعت الفجوات الاجتماعية.


ويؤكد أن معالجة أسباب السخط الشعبي تتطلب تبني سياسات مختلفة تقوم على دعم الخدمات الأساسية، وتوفير وظائف مستقرة ذات أجور مناسبة، وتوسيع برامج الإسكان العام، وزيادة الإنفاق على التعليم والرعاية الصحية، إلى جانب فرض ضرائب أكثر عدالة على أصحاب الثروات الكبرى.
 

ويختتم ريس تحليله بالتأكيد على أن بريكست لم يكن حلاً لأسباب الاستياء الشعبي في بريطانيا، بل تحول إلى غطاء سياسي أخفى تلك المشكلات دون أن يعالجها، وهو ما يفسر حالة الإحباط الواسعة التي تسود مختلف التيارات السياسية بعد مرور عقد كامل على الاستفتاء.

 

https://www.middleeasteye.net/opinion/decade-brexits-legacy-universal-disappointment